الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

105

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

من حجب منسوجة أعجب النسج وألطفه وقشره يضم ذلك كلهّ فمن التدبير في هذه الصنعة انهّ لم يكن يجوز أن يكون حشو الرمانة من الحبّ وحده ، وذلك ان الحب لا يمد بعضه بعضا ، فجعل ذلك الشحم خلال الحب ليمدهّ بالغذاء . ألا ترى أنّ أصول الحبّ مركوزة في ذلك الشحم ، ثم لف بتلك اللفائف لتضمه وتمسكه فلا يضطرب ، وغشي فوق ذلك بالقشرة المستحصفة لتحصنه وتصونه من الآفات . وهذا قليل من كثير من وصف الرمانة وفيه أكثر ، وهذا لمن أراد الإطناب والتذرع في الكلام ، ولكن فيما ذكرت لك كفاية في الدلالة والاعتبار . فكّر يا مفضل ، في حمل اليقطين الضعيف مثل هذه الثمار الثقيلة من الدباء والقثاء والبطيخ وما في ذلك من التدبير والحكمة ، فإنه حين قدّر أن يحمل مثل هذه الثمار جعل نباته منبسطا على الأرض ، ولو كان ينتصب قائما كما ينتصب الزرع والشجر لما استطاع أن يحمل مثل هذه الثمار الثقيلة ، ولتقصف قبل إدراكها وانتهائها إلى غاياتها . فانظر كيف صار يمتد على وجه الأرض ليلقى عليها ثماره فتحملها عنه ، فترى الأصل من القرع والبطيخ مفترشا للأرض وثماره مبثوثة عليها وحواليه كأنهّ هرّة ممتدة وقد اكتنفتها أجراؤها لترضع منه ، وانظر كيف صارت الأصناف توافي في الوقت المشاكل لها من حمّارة القيظ ووقدة الحر ، فتلقاها النفوس بانشراح وتشوّق إليها ، ولو كانت توافي في الشتاء لوافقت من الناس كراهة لها واقشعرارا منها مع ما يكون فيها من المضرّة للأبدان ألا ترى أنهّ ربما أدرك شيء من الخيار في الشتاء فيمتنع الناس من أكله إلا الشره الذي لا يمتنع